أحمد ياسوف
224
دراسات فنيه في القرآن الكريم
الكفرة : وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ [ يس : 9 ] ، وهذا السد يجسّم تثبيتهم في الضلالة والكفر وامتناعهم عن متابعة الحق ، وقد أصبح السد خانقا لهم ، وهكذا الكفر دائما يخنق صاحبه وإن خدع نفسه بطيب العيش ، ويلحظ أن تنكير السد هنا أضاف إلى التهويل كثيرا ، فهو بلا حدود ، فثمة سد وراءهم وسد قريب منهم ، ولا بد من المسير إلى الأمام لملاقاة الخالق عز وجل . ج - ظاهرة الإحكام الفني : يرد العهن معبرا عن انفجار الجبال يوم القيامة . قال تعالى : وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [ القارعة : 5 ] والعهن : الصوف المندوف الملوّن ، ولعل هذا يشير إلى تنوع ألوان الجبال كما يؤكد العلم الحديث في التضاريس . وقد ألمح الدكتور بدوي إلى ظاهرة فنية في القرآن الكريم ، وهي إحكام الصورة البصرية بتفصيل الحديث عن المشبه به ، وذلك بالصفة أو بغيرها ، وهذا النهج الفني كفيل بأن يجعل الصورة كاملة العناصر في نفوس المتلقين ، ويجعلها أدعى إلى التأثير في الفكر والوجدان على السواء . يقول الدكتور بدوي : « ولم يكتف القرآن في تشبيه الجبال يوم القيامة بالعهن ، بل وصفه بالمنفوش ، « وتكون الجبال كالعهن المنفوش » للدقة في تصوير هشاشة الجبال » « 1 » . ولكن نضيف أن القرآن لم يقصد مجرد الهشاشة ، بل قصد معها التطاير في الفضاء الشاسع ، فنحن بإزاء مشهد تكون فيه الجبال كتلة
--> ( 1 ) من بلاغة القرآن ، ص / 200 ، وانظر القرآن ونصوصه ، د . زرزور ، ص / 304 ، الإعجاز البياني ، د . شرف ، ص / 338 .